ابن الجوزي
81
القصاص والمذكرين
والعامة أبدا وفي كل عصر يولعون بالغريب ، ويعجبون بالخرافة . . . ويستمتعون بالغرائب والعجائب ، حتى أضحى القاصّ كالمغنّي الذي لا همّ له إلا إطراب السامعين . . . وهكذا كانت دوافع المبالغة والكذب عند القصاصين قوية ليجدوا المادة التي تجلب السامعين وعطاياهم ، وليكتسبوا في كثير من الأحيان ثقة الحكام ورضاهم ، مما يمنحهم حصانة تحول دون انتقاد العلماء الواعين لهم . ذكر السيوطي في « اللآلىء المصنوعة » : أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرتقي منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة ، فقال أبو البختريّ - وهو قاصّ كذاب - : حدثني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن جبريل نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة فتحجر فيها تحجيرا « 1 » . * * * ومن المفاسد التي كانت تحدث بسبب القصّاص اختلاط الرجال بالنساء ، فقد ذكروا أنّ هؤلاء القصاص كانوا يقصون في الطرقات والمساجد ، فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء ويمدون أيديهم - كما يقول أبو طالب المكي « 2 » وابن الجوزي « 3 » - وكان هذا الحال سببا في انتقاد العلماء لهم ، وكانوا يسلكون في معاملة العوامّ مسلك المحتالين والمشعوذين ، حتى ينالوا أعطياتهم ومنحهم ، وكانوا يجمعون مالا كثيرا ، ولا يبالون بالذين ينتقدونهم ، ويأتون بالأساطير والخرافات ، والنوادر المضحكات ، والأحاديث الموضوعة ، يقولون ما ليس لهم به علم .
--> ( 1 ) « اللآلىء المصنوعة » 2 / 263 ( 2 ) « قوت القلوب » 2 / 21 المطبعة المصرية ( 1351 ه - 1932 م ) ( 3 ) كتاب « القصاص والمذكرين » 295